ما كان أدق وأصدق علي الوردي حينما تكلم عن ازدواجية الشخصية العربية، والازدواج أمرٌ ليس بيد أحد أن يُغييره بمفرده ولا يعد وليد اللحظة، إذ هو من الأمور التي جُبلت عليها الشخصية العربية في أطوار نشأتها وتدافعها، خصوصاً الشخصية العربية في نسختها البدوية، إذ منها تشكلت طينة الإنسان العربي الأول.
ظاهرة الازدواج ليست قشوراً يمكننا إزالتها بمجرد الكلام عنها، فالأمر أشبه بالترسبات الأرضية التي لا تجد لها في الظاهر سوى بُروزاً صغيراً، غير أنها تضرب بجذورها في الأرض أضعاف ما نرى منها على وجه الأرض، تماماً كالجبال الجليدية. كذلك هي شخوص البشرية، عبارة عن ترسبات تدافع على مر العصور، ونحن كما قال علي الوردي: " القدم التي تقدمت نحو الأمام بينما وقفت الأخرى لتدعمها وتدفع بها".
ما نراه من تكرار للتاريخ يعود ذلك إلى أن الإنسان هو الإنسان في كل زمان ومكان، يمضي به التاريخ بشكل حلزوني تكاد تتقارب فيه الأحداث، وكلما خُيل للإنسان أن التاريخ دائرة توشك على أن تكتمل، يمضي التاريخ ليرسم دائرة أخرى وهو يتقدم، بمعنى أن لا تكتمل الدائرة على أي حال من الأحوال، وفي اللحظة التي يمر بها التاريخ بالقرب منا، نظن أنه قد عاد ليكمل الدائرة، بينما هو يقترب ليُعطي أولي الألباب إشارات من خلالها يحفظون له تقدمه واستمراره، والغافل من لا يفهم تلك الإشارات، فيفهمها غيره فيمضي به التاريخ ويستبقي آخرين، وهكذا...
في خضم ذلك التقدم يتشكل جوهر شخصية الفرد على المستوى الفردي، وشخصية المجتمع في هيئتها الجمعية، فيُضمر الفرد بلاوعي في اللاوعي ما لا يشعر به ويعلمه، إلا حينما يتعرض ذلك اللاوعي لما يُثيره ويهدد بقاءه، ويضمر المجتمع أيضاً في اللاوعي من جملة تقاليده وأعرافه ومسلماته ما يضاهي ما نراه منه في الظاهر، فتراه جميل الشكل بهي المنظر، لكن سرعان ما تكشف المنعطفات ما يُكنن، عندها نرى النتوءات والتشوهات والانحرافات التي تشوبه من الداخل.
ذكر علي الوردي في كتابه وعاظ السلاطين أن الشخصية العربية تُعد الشخصية الأولى من بين شخصيات الأمم الأخرى الأكثر ازدواجية في تكوينها، والشخصية العراقية الأكثر على المستوى العربي، ويعزو بذلك إلى كونها وقعت إزاء تطورها الحضاري تحت تأثير عاملين متناقضين: البداوة والإسلام. فهي كما يقول بدأت أمرها بدوية في الصحراء ثم جاء الإسلام يحمل تعاليم تُخالف قيمها البدوية القديمة، ثم يضيف: ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن العربي بدوي في عقله الباطن، ومسلم في عقله الظاهر.
كان الازدواج في الشخصية العربية خصوصا البدوية من طبيعة البدو التي انعجنت فيهم، فكان لا يكاد ينفصل عنهم في شتى مناحي حياتهم، بمعنى أن شخصيته قد جُبلت على الازدواجية. حينما جاءت الفترة النبوية كانت تلك الازدواجية قد بدأت بالخفوت، ولكن خفوتها أُضيف إليه عامل جديد هو كتمان الازدواج وليس التخلي عنه البتة، فالعرب قديماً لا تخفي ازدواجيتها في التعامل، فهي قد جُبلت على الإفصاح، ففي اللحظة التي تتكلم فيها القبيلة العربية عن الشيم والكرامة، يمكنها نسف كرامة قبيلة مجاورة لها من الجذور. حينما جاء الإسلام ضيق الخناق على حالة الازدواجية لدى العرب فأعدها شيئاً من النفاق، فكان ذلك أنكى على طبيعة النفس العربية بأن تنهاها عما جُبلت عليه، وهذا ما رأيناه في ارتداد الجزيرة العربية عن الإسلام بعد وفاة النبي، إذ ظهرت ازدواجية الشخصية العربية في أبهى صورها، وهو الأمر الذي جعل أبو بكر يتدارك الأمر قبل أن ينفرط عقد الإسلام، فأشغل العرب بما يصرفهم عن تلك الحالة التي جُبلواعليها، وكما يقول علي الوردي:
وحقيقة الأمر أن العنصر الديني قد أضاف إلى تلك الازدواجية في الشخصية العربية قوة إلى قوتها، وإن جاء ليهذبها ويقف ضدها، إلا أنه قد تم استخدامه لتعزيز سلطتها وازدواجها أكثر فأكثر، ففي اللحظة التي كانت العادات والتقاليد هي من تشكل ازدواج الشخصية العربية، جاء الدين فأضاف إليها عنصرا جديدا هو عمامة التدين وجلباب الوعظ، وهو ما جعل الازدواج يطغى على القيم والأخلاق التي جاء بها الدين وتعارف عليها المجتمع، وبها اكتسبت الشخصية العربية السلطة الاجتماعية والدينية تحت مظلة الوعظ وهو ما عمق الازدواج في حياتنا فوق ما كان عليه.
شارك المقال:







