فلسطين في ذاكرة الشعوب العربية

أحمد عباس الملجمي

12/10/2017

في أول مرة سمعت فيها عن القدس كانت في الصف الرابع أساسي في أحد الكتب المدرسية كمثالٍ للبقاع المقدسة للأمة الإسلامية، صورة صغيرة مشطورة بين قبة الصخرة والمسجد الأقصى، تلا ذلك أن سمعت عن أبطال الحجارة كمسمىٍ ارتبط بذكر إسرائيل دون معرفة ما الذي يدور في تلك الأرض بصورة كاملة، ثم عرفت فيما بعد أن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد أُسري به ليلاً منها إلى السماء، وقبلها كان قد ولى وجهه إليها طيلة ثلاثة عشر عاماً قبل الهجرة، ثم ظل على ذلك سبعة عشر شهراً بعد الهجرة إلى المدينة المنورة، حتى جاء الأمر الإلهي بأن يولي وجهه شطر المسجد الحرام.

يوماً بعد يوم ترسخت أهمية المسجد الأقصى في ذاكرتي، وصارت القدس وفلسطين لبنة أساسية في بناء الضمير والهوية العربية والإسلامية، تعززت تلك الصورة بشكل أكبر حينما كنا نقيم الإذاعات المدرسية والمسرحيات والأناشيد ومختلف الأنشطة الطلابية باسم المسجد الأقصى، ويوم القدس العالمي، وذكرى النكبة، ووعد بلفور، وحرب المستوطنات التي تلاحمت فيها الجيوش العربية ضد منظمة الهاجاناة الصهيونية، المدعومة من قوى الانتداب والاستعمار البريطاني، عرفنا التضحيات التي قدمها الأبطال في معركة الفالوجة، وباب الواد، واللطرون، وجنين، وصحراء النقب، كانت كل تلك الأحداث تبني هوية الأجيال العربية والإسلامية، وترسخ فيها الحق العربي التاريخي في تلك البقاع المباركة.

وهكذا توالت الأحداث وأطلقت أسماء الأماكن على الأطفال، والمدارس، والمنظمات، والجمعيات، والشوارع والألوية العسكرية، وعلى منابر المساجد يخطب الدعاة عن مكانة الأقصى، والدعاء على المحتل الصهيوني في كل جمعة، حتى أصبحت فلسطين والأقصى جزءاً لا ينفك عن حياة الشعوب العربية، ولا يمكن التنازل عنها بأي حالٍ من الأحوال.

توالت الأيام وتوسعت إسرائيل على حساب المشروع العربي الذي بدأ في التراجع والانحسار منذ حروب النّكبة، وبدأ مع ذلك تعزيز القوة العسكرية للاحتلال حتى أصبحت كما نراها اليوم، بينما عكفت الأنظمة العربية على تعزيز سلطات حكمها الاستبدادي على شعوبها، واللهث خلف استرضاء الدول العظمى التي كان لها الدور الكبير في حماية الدولة الوليدة "إسرائيل"، استرضاءً من أجلِ تعزيز بقاء تلك الأنظمة على رأس السلطة في البلدان العربية، وجمع الثروات الطائلة على حساب التنمية الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية، فجندت لأهدافها الخاصة الإعلام والمثقفين ورجال الدين والجيوش العائلية، فأصبحت غالبية كبيرة من الشعوب تبحث عن لقمة العيش والصراع في ما بينها من أجل البقاء، ومن هنا بدأت خيانة الضمير العربي والإسلامي نحو القضية الفلسطينية، ومن هنا أيضاً وجدت إسرائيل مفتاح البيت العربي، ففتحته واطمأنت لما فيه، وأقامت العلاقات الحميمية مع أربابه، فرمت بسنانير صيدها فعلق منهم من علق، وما تبقى منهم كان في عداد النطيحة والمتردية وما أكل السبع.

طوال 60 عاماً لم تستطع إسرائيل اختراق الذاكرة والهوية العربية، وتُغير من الصورة المرسومة لها في أذهان الشعوب العربية والإسلامية ككل، إلا أنها وجدت الطريقة سهلة إلى أنظمة الحكم فتفردت أولاً بتمزيق الصف الفلسطيني، ثم بالأنظمة العربية كل واحدٍ على حدة، ثم سعت ونجحت في تبديد العصبة الأممية العربية بالضغط عبر المصالح الاقتصادية والعسكرية مع الدول العظمى، فطبعت مع السلطة الفلسطينية والأنظمة العربية العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية ووصل ذلك حد التنسيق الأمني المشترك.

بدأ فيما بعد رفع مستوى التطبيع من الأنظمة إلى التطبيع مع الشعوب، فهي الضامن الحقيقي نحو بقاء إسرائيل آمنة في المنطقة، فبدأت المنظمات الأممية تضغط نحو طمس تكريس العِداء لإسرائيل من مناهج التعليم المدرسي والجامعي والأنشطة الاجتماعية، وحذف النصوص الدينية التي تدفع نحو ذلك، ثم فيما بعد تحت يافطة حوار الأديان بدأ التبادل الثقافي بين الكيان الصهيوني وبعض المراكز التعليمية تحت رعاية رسمية من الأنظمة العربية، وكشاهدٍ صغيرٍ على اختراق ذلك التطبيع للمجتمعات برعاية رسمية من الحكومات العربية ألقى أحد الطلاب المتحمسين الكلمة الصباحية في الإذاعة المدرسية في أحد المدارس السعودية في المنطقة الشرقية أثناء الحرب الأخيرة على غزة بعنوان غزة الصمود، ذكر فيها ما يجري هناك لأطفال غزة، فما كان من إدارة المدرسة إلا أن استدعته وعاقبته على ذلك الفعل، وأعطته إنذار بالفصل من المدرسة إن هو عاد لمثل ذلك الفعل دون إذن الإدارة.

تطور ذلك التطبيع مؤخراً حتى بات على المستوى الإعلامي نحو إقناع الفلسطينيين التخلي عن حقهم في الأراضي الفلسطينية، مقابل إقامة كياناً فلسطينياً منزوع السيادة والإرادة والجيش، يقتات على المعونات والمساعدات الدولية، وبلغ حد التطبيع إتهام الأنظمة العربية للمقاومة الفلسطينية بالإرهاب، ودعم بعض الأنظمة العربية للكيان الإسرائيلي بشن الحرب على غزة واجتثاث المقاومة فيها.

مؤخراً أعلن ترمب القدس عاصمة إسرائيل، ماذا تبقى اليوم من فلسطين والقدس في ذاكرة وهوية الشعوب والأنظمة العربية والإسلامية؟ ليس بعد ذلك الفعل من فعلٍ يوقظ الضمير العربي إذا لم يفعل ذلك الفعل شيء، فما بعد ذلك هو أن تطالب إسرائيل في إرثها التاريخي في الوطن العربي ما قبل الإسلام، ثم نرى الوفود الإسرائيلي تزور البلدان العربية تجول وتصول فيها، وقد رأينا ذلك مؤخراً لمواطنٍ إسرائيليٍ يطوف باحات المسجد النبوي في المدينة المنورة. ذهبت الأنظمة وذهبت الشعوب فماذا بعد؟

شارك المقال:

المصدر: الجزيرة نت