ليس لدي أدنى شك، والكثير من أبناء اليمن، أن المبدأ الذي انطلقت منه عمليات عاصفة الحزم في اليمن، كانت بمثابة طوق النجاة لليمن كدولة وشعب، وللمنطقة العربية كقومية وهوية. ولكن نار الحرب بطبيعتها ما إن يطول أمدُها، حتى تظهر الشوائب لتطفو على السطح باحثة عمن يعولها، حينها تبدأ مسارات الحرب تأخذ منحى آخر، تنحرف تدريجياً عن الأهدافِ التّي قامت الحربُ من أجلها، وعندما يحدُث ذلك في ميدان الحروب، فإن الذين ساندوا الشعب ضد الظلم، وتكبدوا الخسائر في الأرواح والمُمتلكات، هم من تسعى الحرب للنيل منهم، لأنه ما قارع قوم الظلم بدمائهم وأموالهم، إلا كانوا هم من يصعب ترويضهم ليكونوا توابعا أو أذلاء.
تبدأ القوى ذات الثقل الأكبر في الحرب، البحث عن موضع قدم لها، عن طريق تلك القوة الناشئة التي شكلتها المصالح المشتركة، والمطامع الخاصة، وطرحها كبدائل تُعزز مكانها لتخلق مستقبلاً عنوانه التبعية العمياء.
ما الذي أطال أمد الحرب في اليمن إذاً؟
لم يطل أمد الحرب في اليمن؛ لأن التحالف العربي عاجز عن ذلك، كما ذكر الأمير الشاب محمد بن سلمان في آخر مقابلة له على قناة العربية، وليس لأن قوى الانقلاب على الأرض لا تزال تملك عوامل تبقيها صامدة في وجه التحالف، وليس أيضاً أن قوى المقاومة الشعبية والجيش الوطني لم تقم بالدور المنوط منها.
يخوض الجيش الوطني والمقاومة الشعبية في مدينة تعز ومأرب والجوف والبيضاء حرباً ضروسا، تذهب فيها عشرات الأرواح، وكل ذلك تعد ه الإمارات وكياناتها الجنوبية في قائمة المكاسب السياسية.
إذاً ما هي الجزئية التّي تنقص معادلة إنهاء الحرب؟
80 % من الأراضي اليمنية والتّي جُلها صحراء قاحلة، قالت الشرعية والتحالف أنها محررة، مئات من العربات والدبابات المدرعة، وعشرات من الألوية العسكرية، وعاصمة مؤقتة بيد التحالف، وشريط ساحلي ممتد من الغرب إلى الشرق، وحصار خانق على قوى الانقلاب في صنعاء، وسماء تُغطيها طائرات F16، بالإضافة إلى ثروات البلاد التّي باتت في الأراضي التّي يُسطير عليها التحالف والشرعية، ما الذي ينقص المعادلة إذاً؟ ما ينقص كل ذلك هو أن البديل لم يبلُغ سن الرُشد بعد، والكيانات الموازية لم يُقضى عليها بعد. سيقول البعض كيف؟ السعودية وهي قائدة التحالف ليست هي المستفيدة من أمد الحرب، ولا طيف واسع من المقاومة الشعبية والجيش الوطني مستفيد أيضاً، إذ لم يكن هو الخاسر الأكبر من بين الجميع. وفي ظل المؤشرات على الأرض، المستفيد الحصري من استمرار الحرب هي دولة الإمارات والكيانات التي تسعى لتمكينها كبدائل على الأرض، ولكن كيف يتم ذلك؟
المكاسب في الجنوب:
بشكل علني تُسيطر دولة الإمارات بواسطة قوات الحزام الأمني الموالية لها على العاصمة المؤقتة عدن ومضيق باب المنّدب، والتّي يرأسها رجُل الإمارات الأول في اليمن هاني بن بريك، ومدير أمن العاصمة شلال شائع، بمعية المحافظ المقال عيدروس الزبيدي، وعبر قوات النُّخبة الحضرمية تُسيطر على حضرموت الوادي والصحراء، مرورا بالشريط الساحلي المُمتد حتّى عدن، والتّي يُديرها رجل الإمارات الثاني، محافظ المحافظة أحمد بن بريك، نتكلم هنا عن مكاسب جغرافية وسياسية مهمة: السيطرة على مضيق باب المندب، وميناء عدن والشحر، ومصافي النفط والآبار، وشريط الساحلي الممتد من الجنوب إلى الشرق (بعد الجغرافي). السيطرة على العاصمة المؤقت عدن، وتبني الكيان الموازي للشرعية المتمثل في المجلس السياسي برئاسة عيدروس الزبيدي (بعد السياسي).
في حال ما استمرت الحرب على هذا المنوال فالرابح الأول منها هي دولة الإمارات. وما الذي سوف تخرج به المملكة العربية السعودية من هذه الحرب؟ ربما لا شيء، وربما العداء على المدى البعيد.
المكاسب في الشمال:
يخوض الجيش الوطني والمقاومة الشعبية في مدينة تعز ومأرب والجوف والبيضاء حرباً ضروسا، تذهب فيها عشرات الأرواح، وكل ذلك تعد ه الإمارات وكياناتها الجنوبية في قائمة المكاسب السياسية، من خلال قتل هامات الجيش الوطني ورموز المقاومة الشعبية، بل وتسعى إلى إبطاء تحركات الجيش الوطني، في كل مرة يسعى فيها نحو التقدم، من خلال الضربات الجوية الخاطئة التي ينفذها الطيران في كل مرة، ناهيك أن الإمارات تساهم في حصار مدينة تعز، من خلال منعها الدعم العسكري للمقامة هناك، لسبب أنها تتبع الإصلاح على حد وصفها. في المقابل أيضاً تسعى الإمارات إلى إطالة عمر الحرب في الشمال، من أجل إنهاك قواعد حزب الإصلاح على وجهة الخصوص من ناحية، ومن ناحية أخرى، إبقاء الحرب على الحد الجنوبي لحدود المملكة العربية السعودية، لتظل المملكة مشغولة في ذلك. في اللحظة التّي تسعى فيها الإمارات إلى تهيئة الأجواء لنجل المخلوع صالح، قائد الحرس الجمهوري السابق، الذي يسكن الإمارات حالياً، رجُل الإمارات القادم في الشمال.
ما تقوم به الإمارات اليوم في اليمن لا يعد من ضمن الأهداف التي قام التحالف من أجلها، ففي حال لم تأتي الحرب أكُلها، وأنّا لها أن تفعل ذلك، فالسعودية تتحمل الوزر الأكبر من ذلك، بحكم أنها من قادة التحالف، وفي حال ما استمرت الحرب على هذا المنوال فالرابح الأول منها هي دولة الإمارات. وما الذي سوف تخرج به المملكة العربية السعودية من هذه الحرب؟ ربما لا شيء، وربما العداء على المدى البعيد.
شارك المقال:







